المقريزي

310

المقفى الكبير

من هذه الحال التي ظننت أنّ العرض على اللّه يسبقها ، وأنّ المعتقد المقدّس قد استحكم في الثقة بي استحكاما تقصر أيدي الأيّام عن صناعة مثلها ، أولى . فإن كان يظنّ أنّ ما وسمت به من النسب المستعار ، يحملني على الازورار ، فإنّ الأمر بضدّه ، إذ كان أصلي من البصرة ، وانتقل سلفي عنها في فتنة الورزنينيّ « 1 » إلى بغداد . وكان جدّ أبي - وهو أبو الحسن علي بن محمد - يخلف على ديوان المغرب ، فنسبت به إلى المغربيّ . وولد له جدّي [ 393 أ ] الأدنى ببغداد في سوق العطش ، ونشأ وتقلّد أعمالا كثيرة ، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر المملكة . وكان خال أبي ، وهو أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوراجيّ الذي مدحه المتنبيّ « 2 » ، متحقّقا بصحبة أبي بكر محمد بن رائق . فلمّا لحق أبا بكر ما لحقه بالموصل سار جدّي وخال أبي إلى الشام والتقيا بالإخشيد . وأقام [ 461 أ ] والذي وعمّي رحمهما اللّه بمدينة السلام ، وهما حدثان ، إلى أن توطّدت أقدام شيوخهما بتلك البلاد . وأنفذ الإخشيد غلامه فاتك المجنون « 3 » ، الممدوح المشهور ، فحملهما ومن يليهما إلى الرحبة وسار بهما على طريق الشام إلى مصر . وأقامت الجماعة هناك إلى أن تجدّدت قوّة للمستولي على مصر ، فانتقلوا بكلّيّتهم وحصلوا في حيز سيف الدولة أبي الحسن [ علي ] بن حمدان مدّة حياته . واستولى جدّي على أمره استيلاء تشهد به مدائح لأبي نصر ابن نباته فيه . ثمّ غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده ، وتدلّ على ذلك مدائح أبي العبّاس النامي فيه . ثمّ شجر بينهما ما يتّفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا « 4 » ففارقه من الرحبة وانحدر إلى الأنبار قاصدا مدينة السلام . فلمّا حصل بالأنبار وجد العراق مضطربا وبهاء الدولة رحمه اللّه في أوّل أمره غالبا . وخوّف من المقام فركب مغرّرا بنفسه قاصدا إلى الشام ليتمكّن من تعرّف أخبارنا وافتكاك إسارنا ، فإنّا كنّا بحلب معوّقين من بعده . فلقي بمصر الحظوة التي عرفت - وليتها ما اتّفقت ! - فإنّ ختامها كان سمّا ذعافا وعقباها كانت بوارا واجتياحا . وانتقلت في إثره ، وكانت والدتي من أهل العراق ، ولنا أملاك إلى اليوم بالنعمانيّة موروثة . فكنّا بمصر زوّارا ، وبالعراق لمّا انتقلنا إليها قاطنين وألّافا . فهذا أوّلا حديث الأصل الذي وقع الاشتباه به وتمّ التمويه فيه . ثمّ أرجع إلى ذكر الدين : فإنّي نشأت وغذّيت بكتب الحديث وحفظ القرآن ومنافثة الفقهاء ومجالسة العلماء . وو اللّه ما رأيت بتلك البلاد مأدبة ولا وليمة ، ولا كنت متشاغلا إلّا بعلم أو درس ، ولقد سلم لي من جزازات « 5 » كتبي ما هو اليوم دالّ على تشاغلي بالدين القيّم ، واستمراري على النهج الأسلم . فإنّه ليس كتاب من كتب السنّة إلّا وقد أحطت به رواية ، ورمته دراية ، وههنا اليوم نسختان من موطّإ مالك بسماعي من جهتين

--> ( 1 ) فتنة الورزنينيّ : هي فتنة صاحب الزنج علي بن محمد العلويّ ( ت 270 ) الأعلام ، 5 / 140 وفي المخطوط : الورديني . وفي الكامل 7 / 206 : قرية . وعند ياقوت : من أعيان قرى الريّ . ( 2 ) مدحه المتنبيّ بقصيدة : أمن ازديارك في الدجى الرقباء . . . ( 3 ) هو فاتك الروميّ أبو شجاع ، مدحه أبو الطيب بقصيدة : لا خيل عندك تهديها ولا مال . . . ( 4 ) في الكلام هنا نقص ، والإكمال من مقدّمة الشيخ حمد الجاسر ص 12 وهو ينقل عن ابن العديم في تاريخ حلب . ( 5 ) الجذاذات والجزازات بمعنى .